علي بن أحمد المهائمي
247
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
أثبت الأسماء الإلهية ) « 1 » من حيث تميز بعضها عن بعض بعد كونها عين الذات ( إلا أفعاله ) ، إذ بها ظهور صورها وآثارها التي بها تميزها ، ( وهي ) أي أفعاله ( أنت ) ، فينبغي أن تكون مثبت أسمائه أيضا ، ولكن أنت وسائر الأفعال ( هي المحدثات ) ، فلا تكون مثبتة للأسماء الإلهية القديمة من حيث عين الذات ، وإنما تثبت تميز بعضها عن بعض وكانت متميزة بالقوة ، ولكن ألوهيته باعتبار هذا التميز لها بآثارها ، ( فبآثاره سمي إلها ) بالفعل ، وإن كانت له ألوهية من قبل بالقوة ، إذ هي نسبة بين الذات والمحدثات ، فلا تتحقق بدون المنتسبين ، ( وبآثارك سميت سعيدا ) فوقع الاشتراك بين الرب والعبد في تحصيل اسم الكمال بواسطة الآثار الحميدة ، ( فأنزلك اللّه منزلته ) بجعلك خليفته على خلقه لمناسبتك إياه وإياهم ، ( إذا أقمت الدين وانقدت ) بهذه الإقامة ( إلى ما شرعه لك ) ؛ إذ لا يتم مناسبة العبد للحق مع مخالفته للشرائع . ( وسأبسط في ذلك ) أي : بحسب الانقياد ، وإفادته السعادة ( ما تقع به الفائدة ) التامة ، وذلك عند قوله : لكن الأمر يقتضي الانقياد ( بعد أن تبين الدين الذي عند الخلق ) ، لا كل دين اعتبروه بل ( الذي يعتبره اللّه ) ؛ لكونه مؤكد الشرع مأخوذا من معانيه وإشارته ، وإذا كان هذا الدين مما اعتبره اللّه ، والأول قد اصطفاه ، ( فالدين كله للّه ) من حيث إنه واضع للأحكام ، وإن كان لم يصرح ببعضها ، ( وكله ) من حيث المعنى الحقيقي ، وهو الانقياد ( منك لا منه ) ، إذ لا يسمى منقادا ( إلا بحكم الأصالة ) ، وهو كونه خالقا للانقياد ، واضعا لما ينقاد إليه من الأحكام الشرعية التي هي مآخذ أحكام دين الخلق . [ قال تعالى : وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها [ الحديد : 27 ] ، وهي النّواميس الحكمية الّتي لم يجيء الرّسول المعلوم بها في العامّة من عند اللّه بالطّريقة الخاصّة المعلومة في العرف ؛ فلمّا وافقت الحكمة والمصلحة الظّاهرة فيها الحكم الإلهي في المقصود بالوضع المشروع الإلهي ، اعتبرها اللّه اعتبار ما شرّعه من عنده تعالى : « وما كتبها اللّه عليهم » ] . ثم أشار إلى بيان ذلك الدين الذي عند الخلق واعتباره عند اللّه ، وإنها ليست من البدع المستقبحة التي تنافي السنة بقوله : ( قال اللّه تعالى ) : وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ [ الحديد : 27 ] يعني عيسى عليه السّلام ( وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ) أي : زادواها على ما جاء به عيسى عليه السّلام بالتصريح ، لكن أخذوها من إشارات ذلك ، ( وهي النواميس ) أي : الأحكام الحقية ( الحكمية ) ، أي المنسوبة إلى التصوف الذي هو حكمة أهل الكشف من المسلمين ، وهي المشار إليها بقوله تعالى : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ
--> ( 1 ) أي : الفعلية .